الخلاصة| من "المفوضية" إلى الحكومة.. ماذا يتغير مع بدء تطبيق قانون اللجوء الجديد؟
اعتبارًا من الجمعة 21 أغسطس/آب، تبدأ مرحلة جديدة في إدارة ملف اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر، مع دخول اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب حيز التنفيذ.
ورغم أن قانون لجوء الأجانب الجديد صدر بالفعل في ديسمبر/كانون الأول 2024، وأصبح نافذًا من اليوم التالي لنشره، لكن بدء العمل بلائحته التنفيذية يفتح الطريق أمام تطبيق نظام جديد ينقل للمرة الأولى مسؤوليةَ تسجيل طالبي اللجوء وفحص طلباتهم ومنحَ صفة اللاجئ إلى السلطات المصرية، بعد أن اضطلعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بهذه المهمة لأكثر من 70 عامًا.
فما الذي سيتغير في حياة اللاجئين وطالبي اللجوء مع انتقال إدارة ملف اللجوء من المفوضية إلى الحكومة المصرية؟ ولماذا يدق البعض أجراس الإنذار؟
ما الجديد؟
منذ 1954، تولت المفوضية تسجيل طالبي اللجوء وتحديد صفتهم وإصدار وثائقهم، بينما أصدرت السلطات المصرية إقاماتهم. أما القانون الجديد فينقل هذه الاختصاصات إلى "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين" التابعة لرئيس الوزراء، لتتولى كامل شؤون طالبي اللجوء واللاجئين. وينص القانون على أن تتشكل اللجنة بعضوية ممثلين عن وزارات الخارجية، العدل، الداخلية، والمالية.
ويأتي هذا التحول في وقت ارتفع فيه عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر بصورة كبيرة، خصوصًا منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023. إذ تقدر المفوضية أن عدد المسجلين لدى مصر تجاوز مليون شخص من 65 جنسية، يتصدرهم السودانيون، يليهم السوريون ثم مواطنو جنوب السودان وإريتريا.
ويحمل كل طالب لجوء أو لاجئ في مصر بطاقة من المفوضية تصف حالته القانونية. وحسب اللائحة التنفيذية للقانون ستظل هذه البطاقات سارية حتى انتهاء صلاحيتها أو إصدار اللجنة وثائق بديلة، مع ترتيبات خاصة للبطاقات التي تنتهي خلال الأشهر الستة الأولى. كما يفترض أن تتسلم اللجنة بيانات الملفات القائمة بالتنسيق مع المفوضية.
لماذا أثار القانون انتقادات حقوقية؟
لا تتركز الاعتراضات الحقوقية على مبدأ إنشاء نظام وطني للجوء في حد ذاته، بل على الضمانات التي تحكم هذا النظام والسلطات الواسعة التي يمنحها للجهات الحكومية.
وتصاعدت خلال الآونة الأخيرة تحذيرات حقوقية اتهمت مصر بسوء معاملة اللاجئين والملاحقات الأمنية ضدهم؛ إذ وثقت منظمة العفو الدولية اعتقالات لسودانيين وسوريين وجنوب سودانيين، بينهم مسجلون لدى المفوضية، وعمليات ترحيل قالت إنها غير قانونية، وهو السياق الذي جعل الضمانات ضد الاحتجاز والإعادة القسرية من أبرز نقاط الجدل حول القانون الجديد.
وقبل التصديق على القانون الجديد، وفي ديسمبر 2024، دعت منظمة العفو الدولية الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رفض القانون، معتبرة أنه رغم تعريفه اللاجئ بما يتسق مع اتفاقية 1951، يسمح بالاحتجاز التعسفي لأسباب مرتبطة بالهجرة، ويقيد الحق في طلب اللجوء، ولا يوفر ضمانات كافية ضد الإعادة غير القانونية، كما يفرض قيودًا على حرية التنقل ولا يكفل بصورة كافية حقوق التعليم والسكن والضمان الاجتماعي. ثم انتقدت تصديق الرئيس عليه في نفس الشهر "رغم الانتقادات الوطنية والدولية المتزايدة بشأن تأثيره المروع على حقوق اللاجئين".
وانتقدت المنظمة كذلك اتساع أسباب الحرمان من صفة اللاجئ أو إسقاطها، ومنها ارتكاب "جريمة خطيرة" دون استثناء واضح للجرائم السياسية، أو القيام بأفعال "تتعارض مع الأمن القومي أو النظام العام"، فضلًا عن إمكان إسقاط الصفة بسبب مخالفة "قيم وتقاليد المجتمع المصري" أو المشاركة في نشاط سياسي أو حزبي أو نقابي. وترى المنظمة أن القانون يفتقر أيضًا إلى ضمانات إجرائية كافية بشأن التمثيل القانوني، والحصول على المعلومات بلغة يفهمها طالب اللجوء، والطعن على الاحتجاز والقرارات المتعلقة بطلبه.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، أثار أربعة من المقررين والخبراء المستقلين بالأمم المتحدة مخاوف مشابهة، بينها إضافة شرط أن يكون الخوف من الاضطهاد "جديًّا" لقبول طلب اللجوء، وغموض الحالات التي يجوز فيها احتجاز طالب اللجوء ومدة احتجازه وسبل الطعن عليه. كما رأوا أن الحماية من الإعادة القسرية غير مكفولة بصورة واضحة لطالب اللجوء طوال فترة فحص طلبه والطعن على رفضه، في ظل سياق شهد بالفعل اعتقالات وترحيلات للاجئين وطالبي اللجوء.
أما المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة حقوقية مستقلة، فترى أن اللائحة أضافت بالفعل ضمانات مثل جلسة الاستماع والتمثيل القانوني والترجمة وحماية بعض الفئات الأكثر احتياجًا، لكنها لم تستطع معالجة عيوب ترى أنها موجودة في القانون نفسه، وعلى رأسها قصر النص الصريح على عدم الإعادة القسرية على من حصل بالفعل على صفة اللاجئ، وليس طالب اللجوء الذي لم يُحسم طلبه.
ما مصير من دخلوا البلاد بطريقة غير نظامية؟
قبل القانون الجديد، كان طالب الحماية يتوجه إلى المفوضية للتسجيل بغض النظر عن الطريقة التي وصل بها إلى مصر، ولم تكن إجراءات المفوضية لتحديد صفة اللاجئ تربط الحق في تقديم الطلب بمهلة محددة.
أما الآن، فتُلزم اللائحة التنفيذية من دخل مصر بطريقة غير نظامية بالتقدم بطلب اللجوء إلى اللجنة خلال 45 يومًا من دخوله، ويقرن القانون تجاوز هذه المهلة بعقوبات يمكن أن تشمل الحبس والغرامة.
وتعتبر المبادرة المصرية هذه المهلة "قصيرة بشكل مجحف"، خصوصًا أن أكثر من 90% ممن وصلوا إلى مصر خلال العامين السابقين دخلوا بصورة غير نظامية وفق بيانات نقلتها عن المفوضية. وتحذر من أن النص لا يضمن بوضوح إمكان تقديم طلب اللجوء بعد تجاوز المهلة.
وتشاركها العفو الدولية هذا القلق، معتبرة أن الـ45 يومًا لا تراعي ظروف أشخاص قد يكونون فارين من حرب أو تعذيب أو اتجار بالبشر، ولا قدرتهم على الوصول إلى محامٍ أو جمع الأدلة اللازمة لطلبهم. كما حذر المقررون الأمميون من معاقبة طالبي الحماية لمجرد طريقة دخولهم إلى البلاد.
ماذا لو رُفض طلب اللجوء؟
هنا أيضًا يتغير المسار بصورة كبيرة. ففي النظام الذي كانت تديره المفوضية، يحصل المرفوض على أسباب القرار، وكان أمامه 30 يومًا للاستئناف، ثم يراجع طلبه موظفون مختلفون عن الذين اتخذوا القرار الأول.
أما وفق اللائحة الجديدة، فأمام طالب اللجوء 15 يومًا من إبلاغه بالرفض للتظلم أمام اللجنة نفسها، التي تفصل فيه خلال 30 يومًا، وبعدها يستطيع اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري.
وترى المبادرة المصرية أن هذه المهلة قصيرة، خصوصًا لمن يحتاج إلى مساعدة قانونية أو جمع مستندات، والأخطر بالنسبة إليها أن النصوص لا تضمن وقف الإبعاد تلقائيًا طوال نظر التظلم والطعن القضائي.
هل تحمي اللائحة حقوق العمل والصحة والتعليم والحركة؟
ينص القانون الجديد على حقوق تشمل العمل والتعليم والرعاية الصحية وممارسة الشعائر الدينية، فيما أضافت اللائحة تفاصيل بشأن الخدمات الصحية والتعليم الأساسي.
ورغم أن المفوضية رحبت بالنص على العمل، بما فيه العمل الحر، والرعاية الصحية الأولية والتعليم الابتدائي، لكنها أوصت بتوضيح كيفية ممارسة هذه الحقوق في ظل القوانين المنظمة لكل منها، كما أوصت بإعفاء اللاجئ من شروط في قانون العمل قد يصعب عليه استيفاؤها بسبب وضعه مثل تقديم وثائق هوية معينة أو غيرها من المستندات.
وتشير المبادرة أيضًا إلى مشكلة عملية مرتبطة بالإقامة؛ إذ تقول إن استخراجها أو تجديدها قد يستغرق بين 18 شهرًا وعامين بينما تجعل اللائحة صلاحية بطاقة طالب اللجوء الجديدة ستة أشهر. ولأن الوصول إلى بعض الخدمات يرتبط بوجود إقامة سارية، تطالب المبادرة بأن تكون وثيقة اللجوء نفسها إثباتًا كافيًا للوضع القانوني وصلاحية الوصول إلى الحقوق الأساسية.
وتسمح اللائحة كذلك، لاعتبارات "الأمن القومي والنظام العام"، بفرض تدابير على طالب اللجوء تشمل الحضور الدوري والإبلاغ عن تغيير محل الإقامة، وتتسع في الحرب أو مكافحة الإرهاب والظروف الاستثنائية إلى قيود جغرافية على الحركة. وترى المبادرة أن اتساع هذه المصطلحات يمنح السلطات مساحة كبيرة لتقييد الحركة.
أين تكمن المخاوف الكبرى الآن؟
بعيدًا عن الخلاف على مواد القانون، يبقى التغيير الأكبر هو نقل نظام كان قائمًا داخل المفوضية منذ 1954 إلى مؤسسة حكومية جديدة مسؤولة عن أكثر من مليون ملف.
وحتى وقت نشر هذه القصة الصحفية لم يصدر قرار تشكيل "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين" وتسمية أعضائها، رغم انقضاء المهلة القانونية، واقتصر الأمر على تعيين رئيس الهيئة العامة للاستعلامات السابق، السفير صلاح الدين عبد الصادق، رئيسًا لها في فبراير/شباط، وهو ما حذرت المبادرة المصرية من أنه يخلق "فراغًا انتقاليًا" مع دخول اللائحة حيز التنفيذ قبل أن يصبح النظام الجديد قادرًا على استقبال الطلبات وتجديد الوثائق.
وتثير كذلك مسألة مختلفة تخص من اعترفت بهم المفوضية بالفعل كلاجئين؛ فاللائحة تطلب تقديم وثائقهم إلى اللجنة، لكنها لا تنص صراحةً، بحسب المبادرة، على الاعتراف التلقائي بصفة اللجوء التي حصلوا عليها سابقًا، ما يثير مخاوف من احتمال إعادة فحص طلبات لجوئهم بالكامل، وإخضاعهم مجددًا لعملية تحديد وضع اللاجئ من بدايتها، بما قد يعرّضهم لفقدان الحماية والحقوق التي سبق أن ثبت استحقاقهم لها. كما تنتقد غياب ضمانات تفصيلية بشأن موافقة اللاجئين على نقل بياناتهم من المفوضية إلى السلطات المصرية.